من علامات الساعة البارزة في هذا الزمان الشيخ د. محمد البر

من علامات الساعة وأشراطها الصغرى ما وقع وانتهى، ومنها ما وقع وما يزال وقوعه مستمرا، ومنها مالم يقع بعد. وقد عدد العلماء ما يزيد عن ثمانين علامة وآية مما وقع منها وما يزال مستمرا. ومالم يقع عدد منه العلماء حوالي 47 علامة وآية.

هذا بخلاف العلامات الكبرى، والتي لم يقع منها شيء بعد، وحين يقع بعضها يتتابع وقوع البعض الآخر، ويومها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمن من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. وحديثنا اليوم مما وقع من هذه العلامات وما يزال وقوعه مستمرا، وقد يقع متفرقا في أزمنة ومختلفة، وأماكن مختلفة أيضا، وقد يستمر وقوعه فترات ثم ينقطع، ثم يعود ثم ينقطع، ما دامت الآيات الكبرى لم تقع بعد.

أخرج ابن حبان في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ الْفُحْشُ، وَالْبُخْلُ، وَيُخَوَّنَ الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنَ الْخَائِنُ، وَيَهْلِكَ الْوُعُولُ، وَتَظْهَرَ التَّحُوتُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوُعُولُ وَالتَّحُوتُ؟ قَالَ: «الْوُعُولُ: وجُوهُ النَّاسِ وَأَشْرَافُهُمْ، وَالتَّحُوتُ: الَّذِينَ كَانُوا تَحْتَ أَقْدَامِ النَّاسِ لَا يُعْلَمُ بِهِمْ».

قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْفُحْشُ وَالشُّحُّ، وَيُؤْتَمَنَ الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنَ الْأَمِينُ، وَتَظْهَرَ ثِيَابٌ كَأَفْوَاجِ السَّحَرِ، يَلْبَسُهَا نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، وَيَعْلُو التُّحُوتُ الْوُعُولَ ” أَكَذَاكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمِعْتَهُ مِنْ حِبِّي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قُلْتُ: وَمَا التُّحُوتُ الْوُعُولَ؟ قَالَ: فُسُولُ الرِّجَالِ، وَأَهْلُ الْبُيُوتَاتِ الْغَامِضَةِ، يُرْفَعُونَ فَوْقَ صَالِحِيهِمْ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ ”

أخرج الحاكم في المستدرك عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مِنَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ تُرْفَعَ الْأَشْرَارُ وَتُوضَعَ الْأَخْيَارُ، وَيُفْتَحَ الْقَوْلُ وَيُخْزَنَ الْعَمَلُ، وَيُقْرَأَ بِالْقَوْمِ الْمُثَنَّاةُ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ يُنْكِرُهَا» قِيلَ: وَمَا الْمُثَنَّاةُ؟ قَالَ: «مَا اكْتُتِبَتْ سِوَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»

إن هيمنة الأشرار ورفعتهم في الأرض يترتب عليه لا محالة تحقير الأخيار، وجعلهم في موطن الاتهام لئلا تهوي إليهم أفئدة الناس، على غرار ما ذكر الله تعالى عن قوم لوطٍ وفُحْشِهم، وكيف أنهم رأوْا أنه لا ينبغي أن يوجد بجوارهم الأطهار الأنقياء، فأصبحت الطهارة تهمة تستوجب على لوطٍ وآله أن يغادروا البلد من أجلها، وقال تعالى في ذلك: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ.

إن مثل هذا الواقع الذي يحياه الناس الآن يدل على ثلاثة اشياء:

الأول : اختلاف معايير الناس في الحكم على الأمور، والأفراد، حتى وصل الأمر إلى الاختلاف في تحديد مفهومي الصدق والكذب، والأمانة والخيانة.

الثاني : حين يسلِّم الناس أنفسهم لذلك، فإنه ينتج عنه اختلافهم في نظرتهم للأمور كلها، فيرفعون الأشرار ظناً منهم أنهم أخيار، أو أن بأيديهم تحقيق الخير لهم، وهذا يبين إلى حدٍّ كبير، مدى الانتكاسة التي تقع فيها الأمة؛ حيث تتغير موازينها الربانية إلى موازين شيطانية، فبدلا من ميزان الله تعالى الذي يقضي بأن: (أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فإنه يتغير وِفق الحديث السابق ، لأن يصيرأهل الفضل والعدل موطن تهمة وريبة ، يقابل ذلك رفْعٌ لفسول الناس من أهل البيوت الغامضة، وتصدرهم موقع القرار، وأهل هذه البيئة لن يكون لهم مع الوعول إلا موقفين عبر عنهما القرآن وهما قوله تعالى: } وَقَالَ الَّذِينَ كَفَـرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا { } وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ {

وقد يكون ظهر التحوت باعتلائهم المناصب وخدمة وسائل الإعلام لهم وكثرة المطبلين حولهم، والوعول العقلاء الناصحون النجباء محجوبون عن الناس مبعدون عن وسائل الإعلام. فلا يشتهر بين الناس إلا من امتهن الرقص والغناء والبغاء، أما العلماء والحكماء والأدباء فلا مكان لهم إلا السجون والمعتقلات. وهذا هو الواقع في كثير من بلاد المسلمين في هذا العصر، حتى وصل الأمر بأن يوصَف بعض السَّفلة بما لم يوصف به بعض الصحابة، في حين أن هذا السافل من أفسق الناس، وأقلهم ديناً وأمانة، ويعمل على هدم الدين ليل نهار.

أورد أبو عمرو الداني، في كتابه الأحاديث الواردة في الفتن، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيَظْهَرُ شِرَارُ أُمَّتِي عَلَى خِيَارِهِمْ حَتَّى يَسْتَخْفِيَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ كَمَا يَسْتَخْفِيَ فِينَا الْمُنَافِقُ»

الثالث : إن هيمنة الأشرار هذه لن تكون إلا بطريقة قسرية، لا يملك المجتمع تغييرها، فإذا هيمن الأشرار، فلا محالة سيُحقّر الأخيار ويُتَّهمون ويخرجون من دائرة القرار، أوأن تكون هيمنتهم بقوة قسرية خارجية، كسلطة الاحتلال في البلاد المحتلة.

أخرج الطبراني في الكبير عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي بُسْتَانٍ مِنْ بَسَاتِينِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُقْرِئُ ابْنَيْهِ، فَمَرَّ بِهِ طَائِرَانِ غُرَابَانِ أَوْ حَمْلَانِ، لَهُمَا حَفِيفٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَنَا بِأَشَدَّ عَلَى هَذَيْنِ حُزْنًا لَوْ مَاتَا إِلَّا كَحُزْنِي عَلَى هَذَيْنِ الطَّائِرَيْنِ لَوْ وَقَعَا مَيِّتَيْنِ، وَإِنِّي لَأَجِدُ لَهُمَا مَا يَجِدُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلَةٍ مُنَافِقُوهَا» ؛ فَلِذَلِكَ اشْتَهَيْتُ أَنْ نَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ

أخرج الطحاوي في شرح مُشكل الآثار عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: ” كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ أَمَانَاتُهُمْ وَمَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَاخْتَلَفُوا … وفي رواية: وَشَبَّكَ بِأَصَابِعِهِ , قَالَ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «آمُرُكَ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ, فَمَا عَرَفْتَ أَخَذْتَ, وَمَا أَنْكَرْتَ تَرَكْتَ.