حكم النمص ……… للشيخ د. محمد موسى

حكم النمص ……… للشيخ د. محمد موسى

سألني عدد غير قليل من الأخوات عن النمص (نمص الحاجب)، و لا أعلم سر كثرة السؤال عنه هذه الأيام، لعل اقتراب الربيع والصيف حيث حب الزينة، على أي حال نناقش هذا الموضوع في عدة نقاط.

(أولا): الآيات والأحاديث التي يُسْتَشهد بها في تحريم النمص، وبقية الزينة المحرمة.

  • قال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّـهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ ﴿النساء: ١١٩﴾
  • عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود – رضي الله عنه – قَالَ: ( لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ: وَمَا لِي أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ^) رواه البخاري (4886)، ومسلم (2125).
  • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ – يعني ابن مسعود – قَالَ: ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ^ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ ) النسائي برقم 5099، وصححه الألباني في صحيح النسائي.
  • عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ( لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ ) سنن أبي داود برقم4170؛ والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود .
  • عن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ^ نَهَى عَنْ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ إِلَّا مِنْ دَاءٍ ) رواه أحمد في مسنده، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.(ثانيا): اختلاف العلماء في النمص.
  • الأحاديث الواردة في النمص صحيحة لاغبار على صحتها، ومعنى هذا أن الاستدلال بها في مجال الأحكام صحيح، حيث أن شرط الاستشهاد بالأحاديث في مجال الأحكام هو أن تكون صحيحة أو حسنة على أقل تقدير، ولا يقبل أقل من ذلك.
    1. اختلاف في تعريف النمص: النمص في المعاجم هو نتف شعر الوجه بشكل عام دون تخصيص الحاجبين، مما أدى إلى اختلاف العلماء في الحلق والحف هل هو من النمص أم لا؟ فمنهم من قصره على النتف فقط دون الحلق والحف وهو رأي الحنابلة، ومنهم من أدخل الحلق والحف فيه.
    2. اختلاف فيما يكون النمص: غالبية العلماء جعل النمص في الوجه كله بما فيه الحاجب، وهو قول الأحناف والحنابلة ورأي عند المالكية، وابن حزم الظاهري؛ والشافعية تجعل النمص هو نتف الحاجب وأطراف الوجه، ومنهم من خصه بالحاجب فقط، وهوقول ابن حجر العسقلاني في الفتح.
    3. مقدار النتف: لا شك أن النمص هو نتف الحاجبين والوجه كاملا أو بعضهما، أما القول بأنه فقط نتف الحاجبين بالكامل تشبها بالعاهرات فهو غير صحيح، فلا دليل عليه من شرع أو لغة؛ والقول بأنه أخذ جزء من الحاجبين بغرض تقويسهما وهو ما يسمى «بالتزجيج» – أي تدبيب الأطراف – ليس من النمص المُصرح به في الحديث، فهو تكلف من غير دليل لأن التزجيج يشمل النمص، فهو في النهاية نتف جزء من الحاجب لترقيقه وتقويسه. والله أعلم.
  • اختلاف في الحكم. كما اختلفوا في التعريف والمقدار وفيما يكون فيه النمص اختلفوا أيضا في حكمه على أقول:
    1. أولها: الحرمة: وهو قول الجمهور، وعده القرطبي والذهبي من الكبائر.
    2. ثانيها: الحرمة مالم يكن بسبب الأذى أو النفرة: ورواية أبي داود تصرح بذلك، ففي نهاية الحديث الذي رواه قول النبي ^ «مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» ، وفي رواية أحمد كذلك.
    3. ثالثها: الكراهية: وهي روايه عن أحمد – رحمه الله -، ونقله ابن مفلح حيث قال: “ويكره للرجل نتف شعر وجهه ولو بمنقاش” ثم ذكر جواز حلقه وحفه للمرأة ، ثم قال : “ويكره نتفه سواء كان لها زوج أو لم يكن. قال أحمد: أكره النتف) ثم قال: “وقطع غير واحد بالكراهة ومنصوص أحمد التحريم. ثم ذكر أن أحمد أخذ من حاجبيه وعارضيه كما نقله ابن هانئ”. وهذا يبين أن للحنابلة قولاً بكراهة النمص ، وأن النهي يحمل على الكراهة التنزيهية لا التحريمية.
    4. الإباحة بشرط: أباح ابن الجوزي من الحنابلة النمص بشرط ألا يكون تغيرا لخلق الله أو تشبها بالعاهرات، نقله البهوتي في كشاف القناع، وأباحه العيني من الأحناف إذا كان للزوج، وهي رواية عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها -، روى عبد الرزاق في مصنفه، وابن حجر في الفتح، عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها – وكانت شابة يعجبها الجمال -، فقالت: “المرأة تحف جبينها لزوجها ؟” فقالت: «أميطي عنك الأذى ما استطعت». وروى ابن الجوزي في أحكام النساء، عن بكرة بنت عقبة أنها سألت عائشة – رضي الله عنها – عن الحفاف فقالت: “إن كان لك زوج فاستطعت أن تنتزعي مقلتيك فتصنعيهما أحسن مما هما فافعلي”.

(ثالثا): الخلاصة والترجيح:

نستطيع أن نستخلص مما سبق من أقوال العلماء واختلافاتهم الأتي.

  1. أن النمص هو نتف الوجه بما في ذلك الحاجبين، فهو صريح اللغة والشرع.
  2. أن النمص حرام لتصريح الأحاديث الصحيحة بذلك، ولايستثنى منها الزينة للزوج، فالزينة المباحة للزوج هي الزينة التي يمكن أن تخفيها عن غيره، والنمص دائم لا يزول إلا بنبات الشعر من جديد.
  3. أن النمص مباح – سواء كان نمص الوجه أو الحاجب – إذا نبت الشعر عند المرأة في مكان الشارب أو اللحية مما يشبهها بالرجال، وتتسبب في نفرة الزوج عنها بل والناس أحيانا، وكذلك إزالة ما بين الحاجبين ليكون طبيعيا كبقية الناس، ولا شك أن أي أذي – كان نفسيا أو بدنيا – يسببه الشعر عند المرأة أو الرجل مأذون شرعا في إزالته، وغير ذلك يرجع إلى الأصل وهو التحريم. وهنا أيضا يمكن أن ننصح في حالة الأذى والحاجة إلى إزالة الشعر نلجأ أولا إلى القص أو الحف فإن أدى الغرض لا نذهب إلى النتف، ولا نلجأ إلى النتف إلا إذا عجز القص أو الحف عن إزالة الأذى، وهذا من باب «اتقوا الله ما استطعتم»، والله أعلم