تعامل الإسلام مع الأزمات المالية – للشيخ د. محمد موسى

تعامل الإسلام مع الأزمات المالية – للشيخ د. محمد موسى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى رسل الله أجمعين، وبعد.

الإسلام دين يعمل على تحقيق السعادة للناس في الدنيا كما يعمل على تحقيقها في الآخرة، فالإسلام دين ودنيا، والشريعة الإسلامية تقوم على جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، وبخاصة في وقت الكوارث والأزمات، فالنظام المالي في الإسلام له منهجه المتميز تجاه الأزمات المالية والتي تتلخص في خطوتين رئيسيتين.

الخطوة الأولى: تجنب وقوع الكوارث، اما بمنعها قبل وقوعها، أو على الأقل التقليل من حجمها وهي القاعدة المعروفة ” الوقاية خير من العلاج “.

الخطوة الثانية: إذا ما وقعت الأزمة كيف يتعامل معها.

الخطوة الأولى: تجنب وقوع الكارثة، يتجه فيها الإسلام اتجاهين، الأول خاص بالتجار والمؤسسات المالية والمتعاملين مع السوق بيعا وشراء، والثاني مع جمهور الناس، واليك تفصيل هذين الإتجاهين.

الإتجاه الأول: مع التجار والمؤسسات المالية والمتعاملين مع السوق. شرع الإسلام من الأخلاقيات والمبادئ الإسلامية ما إن التزم بها هؤلاء حالت دون وقوع الأزمة وتتلخص في الآتي:

تحريم الربا وتجريمه، فالربا يقوم على استغلال رأس المال للمدين دون المشاركة معه في مبدأ المكسب والخسارة، فهو يقرض ويحدد نسبة ثابتة على الدين ولايهمه أن يكسب أو يخسر المدين، أما الإسلام فيرفض هذا المبدأ ولايبيح إلا المشاركة في المكسب والخسارة، ولتجَذُرْ هذه العادة الذميمة في جزيرة العرب آنذاك حرم الإسلام الربا على مراحل، قال تعالى في أول التحريم:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آل عمران 130 ،ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ البقرة 278&279وهي أشد صيغ التحريم في القرآن الكريم.

تحريم تحميل المدين إذا أُعسر فوق طاقته، وذلك بزيادة الفائدة عليه والمعروف بلغة سوق المال “إعادة جدولة الديون” فالأصل في الإسلام التخفيف على المعسر وانظاره بمد المهلة له أو التنازل له عن بعض ديونه لمساعدته للخروج من أزمته، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة 280 ،فمعنى أن تصدقوا أي تتطوعوا بالتنازل له عن الدين أو بعضه صدقة لكم عند الله. ويدخل فيها أيضا تحريم الإسلام بيع الديون.

وضع الإسلام نظاما صارما في البيوع التي يتعامل بها الناس، فحرم منها أنواعا تضر بالمجتمع ضررا بالغا، والتي تكون من أهم أسباب الأزمات المالية ومنها على سبيل المثال.

بيع الغرر: وهو أن يبيع أشياء لم توجد بعد، مثل بيع الثمار قبل نضجها، أو السمك في البحر قبل إخراجه، وما شابه ذلك. هذا غير العربون، فالعربون ليس بيعا بل هو اتفاق على البيع.

بيع الجهالة: وهو بيع شئ غير محدد المواصفات أومعين تعينا كاملا، فهو مظنة الغش والخداع.

بيع الوهم: مثل مايحدث في البورصات من اخراج تقارير وهمية اما تصيب الناس بالرعب فيهرعوا بالبيع ولو بالخسارة، أو تغريهم بالطمع فيشتروا الأشياء بأضعاف ثمنها ثم تركد عندهم.

تحريم بيع ما لا تملك وما لا تستطيع تسليمه للمشتري.

جعل الحكومة حارسة على هذه المبادئ، تعاقب من يحاول التلاعب بها، على ألا يكون لها تدخل في حركة السوق، فالسوق عرض وطلب، ومن مفاخرنا أن عمر بن الخطاب الخليف الثاني للأمة الإسلامية عين الشفاء (امرأة) على سوق المدينة.

الإتجاه الثاني: مع الناس أنفسهم فلقد أمرهم الإسلام بعدة أمور منها.

أمرهم بالإعتدال في المعيشة وعدم الإسراف أو التقتير، قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ الفرقان 67. وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ الإسراء 29.

حرم الرشوة والتي بها يأخذ المرأ ما ليس له بحق، روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله الراشي والمرتشي و الرائش ) رواه العجلوني في كشف الخفا وقال حديث حسن.

التحذير الشديد من الدين فالمسلمون يحفظون دعاء النبي وهو يستعيذ من الدين يقول: (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وشماتة الأعداء) صحيح النسائي للألباني، وروت السيدة عائشة أن النبي كان يقولفي صلاته كثيرا : اللهم إني أعوذ بك من المأثم و المغرم الدين فقيل له : إنك تستعيذ من المغرم كثيرا يا رسول الله ؟ فقال : إن الرجل إذا غرم استدان حدث فكذب و وعد فأخلف إن المرا إذا استدان رق دينه فحدث فكذب ووعد فأخلف) بلوغ المرام للألباني، وشدد القرآن على أن يكون الدين إلى أجل مسمى ومكتوبا ومُشهد عليه.

الخطوة الثانية:

  1. عند وقوع الأزمة يتعامل الإسلام معها بشمولية تشمل التجار والمؤسسات المالية، وكذلك عموم الناس.
  • أما التجار والمؤسسات المالية فلقد جرم الإسلام استغلال هذه الأزمة في الحصول على أرباح طائلة بالإحتكار ورفع الأسعار مستغلين أحوال الناس وحاجاتهم للطعام ولوازم المعيشة، يقول النبي لاعنا المحتكر ومباركا الجلب للسلعة دون احتكار: روى عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) تخريج مشكاة المصابيح لابن حجر.
  • بالنسبة لعموم الناس، فإن الإسلام يحث أصحاب الخير على التبرع بما تجود به أنفسهم وقت الأزمة لسد حاجة الفقراء والمساكين ، وأول ما يبدأ به الإسلام الزكاة المفروضة، فهي ركن من أركان الإسلام الخمسة، ولايعد المسلم مسلما إذا أنكرها ولم يخرجها وكان قادرا عليها، وذهب العلماء أن المسلم يمكن أن يدفع زكاة سنة أوسنتين أو ثلاثة مقدما إذا كان هناك حاجة لذلك. وجعل الإسلام ثواب الإنفاق وقت الأزمة أضعاف ثوابه وقت الرخاء، قال تعالى مبينا أن الإنفاق في أيام الكرب سببا للنجاة يوم القيامة: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ؛ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ؛ فَكُّ رَقَبَةٍ ؛ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ؛ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ؛ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ البلد 11 الى16 ، ويتضاعف الأجر إذا كان المنفق في حاجة إلى ما أنفق، يقول تعالى:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ الإنسان 8، ويقول في مدح أصحاب النبي عليهم الرضوان من الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيـمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الحشر 9، ويقول النبي في ثواب تفريج الكرب: (من وسع على مكروب كربة في الدنيا وسع الله عليه كربة في الآخرة) مسند أحمد تخريج أحمد شاكر.
  1. هذه هي طريقة الإسلام في التعامل مع الأزمات وبخاصة المالية منها، ونود أن نبين لغير المسلم أن هذا النظام لايقتصر خيره على المسلم فقط، نعم المسلم يتعبد إلى الله بالإلتزام به، ولكن كما ترى أن القوانين والمبادئ والقيم التي أرساها الإسلام فطرية تتقبلها كل الفطر السليمة مسلمة أو غير مسلمة، إذا عمل بها غير المسلم سعد بها في الدنيا، كما أود أن أوضح أن هذه القيم المسلم مطالب بتطبيقها مع المسلم ومع غير المسلم فالأخلاق في الإسلام واحدة لا تتجزأ ولا تتلون ولا تختلف من فرد لآخر. فالزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام تعطى للمسلم ولغير المسلم على السواء، والمسلم مطالب بإغاثة المسلم وغير المسلم، وهذه من المسلمات في ديننا الإسلامي الحنيف.
  2. ومؤسسة إسلامك ريليف مؤسسة ذات قيمة عالية في العمل الإغاثي ليس لأنها متميزة فيه وفقط بل أيضا لأنها فاهمة الفهم الصحيح للإسلام ومبادئة وتطبق ما تفهمه في عملها بإخلاص، فالمؤسسة تعمل على إغاثة الناس كل الناس دون النظر إلى عرقهم أو لونهم أو دينهم، كما تتعامل مع كل المؤسسات الخيرية مع اختلاف خلفياتها انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ المائدة 2.
  3. والله ولي التوفيق