القدس في عقيدة المسلمين – للشيخ الدكتور / محمد موسى

القدس ليست مجرد مدينة عربية فلسطينية وفقط عند المسلمين، بل هي عقيدة ارتبطت بتاريخ هذه الأمة من اللحظات الأولى للبعثة ولنزول الوحي، فما أكثر السور والآيات المكية والمدنية التي أشارت إلى قدسية وحرمة الأقصى ومباركة الله له ولما حوله من الأرض المباركة أرض الشام. ويمكن أن نبين مكانة القدس وفلسطين في عقيدة المسلمين في النقاط التالية اختصارا.

أولا: أولى القبلتين.

ظل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه رضي الله عنهم يتجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى ثلاث سنين في مكة قبل الهجرة وستة عشر شهرا في المدينة بعد الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في أن يتجه في صلاته إلى المسجد الحرام فنزلت الآيات بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في صلاتهم. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾ [سورة البقرة]. وفي المدينة مسجد ذي القبلتين شاهد على هذه الحادثة حيث تحول المصلون وهم في الصلاة إلى المسجد الحرام، روى البخاري، عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ : ” صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوْ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، قَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ سورة البقرة آية 143 “. [البخاري: كتاب التفسير]

ثانيا: ثاني المسجدين.

المسجد الأقصى هو ثاني المسجدين بعد المسجد الحرام،روى البخاري، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ ، قَالَ : ” الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ، قَالَ : ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ، قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا ، قَالَ : أَرْبَعُونَ ثُمَّ ، قَالَ : حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ ” .[ البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء]

ثالثا: ثالث الحرمين.

المسجد الأقصى هو ثالث الحرمين في المكانة بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإليه تشد الرحال، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم, قَالَ : ” لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ” . [متفق عليه] ،روى الإمام أحمد، أَنَّ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ فَقَالَ : ” أَرْضُ الْمَنْشَرِ وَالْمَحْشَرِ ، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ ، فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ” ، قَالَتْ : أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ ، أَوْ يَأْتِيَهُ ؟ قَالَ : ” فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ ، فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى لَهُ ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ ” [مسند أحمد: مسند العشرة]

رابعا: مسرى رسول الله.

أهم ما يميز المسجد الأقصى أنه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرض الإسراء المعراج، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ [الإسراء]

خامسا: أرض النبوات.

إن معظم الأنبياء ولدوا وماتوا فيها، فكما يقولون عنها عش الأنبياء، واحدة من ثلاثة أماكن ظهر فيها نور الوحي، قال تعالى: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَـٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴿٣﴾ [التين] ذكر المفسرون أن التين والزيتون هي بيت المقدس حيث بعث ابن مريم عليه السلام، وطور سنين هي طور سيناء حيث أوحي إلى موسى الكليم عليه السلام، والبلد الأمين هي مكة حيث بعث خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.

سادسا: الأرض المباركة.

وصفها الله بالأرض المباركة في مواضع عدة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿الأنبياء: ٧١﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ ﴿الأنبياء: ٨١﴾ وهذا غيض من فيض في القرآن الكريم.

أخيرا أقول: ويزيد من مكانة الأقصى في قلوب المؤمنين أنه أسير محتل، لا يستطيع المسلمون أن يُصَلُوا فيه ولا أن يَصِلُوا إليه، فحق على كل مسلم نصرته كل على قدر استطاعته وعمله ومكانه.

اللهم متعنا فيه بصلاة تقر بها العيون تحت راية الإسلام. آمين.